رأي

الدين والسياسة :د/شاكر صبري محمد السيد

كيف يمكن للدين أن يكون دولة وهو عبارة عن حقائق خالدة لا تتغير

القاهرة :الخرطوم:مدني نيوز

بقلم الدكتور /شاكر صبري محمد السيد

الشيخ الغزالي رحمه الله يقول كيف يمكن للدين أن يكون دولة وهو عبارة عن حقائق خالدة لا تتغير بينما الدولة تخضع لعوامل التطور وتندرج تحت بند التغيير المستمر ؟
إنني أشعر أن الذين يتحدثون عن الإسلام وحده من خلال تطبيق معوج في بعض البلاد ، هم أصحاب أغراض , فما الذي أسكت هؤلاء عن سبعين ألف عربي قتلوا وجرحوا من بدء غزو إسرائيل للبنان إلي أن وقعت مذبحة صابرا وشاتيلا , إن هذه المذبحة ليست إلا حلقة من سلسلة من المذابح التي وقعت بين العرب واليهود ، هل يترك الناس الدين والأخلاق لأن بعض المشتغلين بالدين والأخلاق ليسوا علي مستوي ما يقولون ؟… لكن يجب أن لا ننسي أن السياسة دوامة صراع بين فكر البشر ، ولهذا يجب أن تخضع لروح العصر والنظم السياسية حتي لا يتهم الإسلام بالعجز عن تمكين الأمم من حقوقها السياسية …
كان هناك علم عسكري عند المسلمين وكانت هناك إدارة متقدمة وكانت الروح المعنوية في ذروة كمالها وكان هناك قائد عبقري يوجه قوته نحو هدف من أقصر الطرق ، كان هذا هو الإسلام كما فهموه ولقد جاء الإسلام بعقيدة صحيحة متميزة وسط العقائد الفاسدة لعبدة الأصنام ، وجاء بحكم عادل وسط حكم ظالم وجاء بنظام للتضامن لا يتميز فيه الأمير عن الفقير .
إلي أن يقول رحمه الله كيف نهدر هذا كله اليوم ونتصور أن الإسلام عكوفا أو اختباءً في كهوف الجبال أو هجرة للمجتمع أو تخل عن الحياة ، إن الإسلام براء من كل هذا .
إن تطبيق الشريعة في مصر أمر يحتاج الإنسان المسلم الذي يطبق الشريعة تطبيقا يؤدي إلي تقدم المجتمع والتفاف الناس حولها ، إننا في مصر نطبق 90 % من الشريعة الإسلامية ، إن القانون المدني كله ليست فيه سوي مادة واحدة خارج الشريعة الإسلامية ، هي التي تتصل بفوائد البنوك ، أما قانون الأسرة فمشتق كله من الشريعة , إن تطبيق الشريعة أمر يتطلب بذل جهد في أكثر من مكان أو أكثر من زمان . إن الدستور المصري يحمل مادة تقول : إن الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع .
إن تطبيق الشريعة الاسلامية يتطلب التدرج كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم : في تحريم الخمر عندما تلقي
آيات القرآن ، فنجد تحريم الخمر مثلاً نزل بالتدريج ، فإذا طبقا حد قطع يد السارق فيجب أن نلجأ إلي
الكتاب والسنة والإجماع فنوفر للمواطن المسكن والملبس والعمل ثم نقطع يده بعد ذلك .
قال صلي الله عليه وسلم ” عليكم بالسواد الأعظم ” قيل وما السواد الأعظم ؟ قال : ما أنا عليه وأصحابي” .
وقال صلي الله عليه وسلم” لا تجتمع أمتي علي ضلالة ”
ولقد تصدي عمر بن الخطاب رضي الله عنه للمهاجرين الطامحين إلي تكوين ثروات وإقطاعات وربما تكتلات ضد الدولة ، وبها منعهم من الخروج من المدينة إلا بإذنه ، ومن تعلل منهم بأنه خارج للجهاد في احدي الغزوات كان يقول له : إن لك في غزوك مع رسول الله صلي الله عليه وسلم ما يكفيك ” .
وقيل أنهم شكوه فبلغه ذلك ، فقام فقال إلا إني قد سننت الإسلام سن البعير ، يبدأ فيكون جذعا ثم ثنيا ثم رباعيا ثم سديسا ثم بازلاً ، ألا فهل ينتصر بالبازل إلا النقصان ، ألا فإن الإسلام قد بزل ألا وإن قريشاً يريدون أن يتخذوا مال الله معونات دون عبادة ألا فأما وابن الخطاب حي ، فلا إني قائم دون شعب الحرة آخذ بحلاقيم قريش وحجزها أن يتهافتوا في النار ” ، وقد صدق رسول الله صلي الله عليه وسلم إذ قال : (لا تقوم الفتنة وعمر حي )…
الفكر الإسلامي والجماعي في عصرنا الحديث :
ظهرت الجماعات الإسلامية في عصرنا الحديث , ولكن فكرهم وتكوينهم اختلف كثيراً عن التيارات السابقة فوسائل العصر الحديث والاختلاط وسهولة التنقل غيرت مجري حياة الإنسان قاطبة ، وإن كان لب العقيدة واحد ، وهناك محاور ثابتة للفكر الجماعي في مصر وفي كل مكان ، ويقول الكاتب نبيل شرف الدين في كتابه أمراء ومواطنون :
يدور فكر الجماعات الإسلامية في مصر في محاور ثلاثة
1- محور سلفي 2- محور تكفيري ..
3 – محور جهادي
يشير اللواء نبيل شرف الدين بأن كل هذه التيارات أو الفرق خرجت من عباءة السلف المؤمنين بأن الماضي هو السبيل الوحيد للتعامل مع القضايا الحاضر والمستقبل ، ولكنهم فهموا هذا الأمر بطريقتهم مؤكدين علي رفض الواقع وإنجازاته العلمية والتقنية والثقافية بوصفها أساس للبلاء وسبب المحنة فكل مُحْدَثةٍ بدعة ، ولعلني أوافقه كثيرا في بعضِ ما يقول , ولكن لو تتبعنا طبيعة البشر لوجدنا أن الدين له تأثير السحر علي كثير من الناس , وهو محفز قوي لإخراج كل الطاقات الكامنة لدي الفرد ، وهو وسيلة لقيادة بعض الضعفاء , والسيطرة عليهم ، وكما قال العالم الألماني كارل ماركس ( الدين أفيون الشعوب ) ، فهناك شخصيات تنقاد بسهولة تحت تأثير شعار الدين ، وبهذا التأثر تنقاد إلي أمور أخري كعزلة المجتمع الذي يعتبره مجرما وعاصياً وفاسدا ، ثم يجر الشيطان بحباله هذه الشخصية أكثر فأكثر حتي تنحرف بأفكارها وميولها وتتحول إلي أفراد معادية للوطن وللدين دون أن تشعر ، وكل ذلك يحدث باسم الدين ، ولكن لا بد أن هناك أفراداً تساعد هذه الشخصية وتمد لها يد العون حتي يتمكن الشيطان منها ويتغلغل الوهم إلي قلبها حتي يصبح عقيدةً ثابتة عندهم .
إن قضية التيارات الإسلامية تحتاج إلي دراسةٍ بتعمق أكثر , فهناك السوي والمعتدل منهم ، وهناك المغالي والمتطرف شديد التطرف ..
والأمر شديد الخطورة , فإن العنف دائماً ما يأتي بنتائج أسوا , كما أنه لا ينبغي الوصول إليه حين يصل
الفرد إلي مرحلة التشبع بأفكار ضالة تضر به وبمجتمعه , فعندها يتم التعامل معه علي أنه مجرم يحتاج إلي ردع وعقوبة ، أما قبل ذلك فهو يحتاج إلي توجيه ورعاية وإرشاد ،وسنذكر بعون الله ما قدرنا علي جمعه من هذه التيارات التي يحمل معظمها طابعاً دينياً أو ربما كان طابعاً سياسيا يحمل جانباً فكرياً سواءً كانت جماعة أو فرقة ..
وتعتبر جماعة الإخوان المسلمين بمثابة الجماعة الأم التي خرجت من عباءتها كل التنظيمات التي تشهدها الساحة المصرية بل والدولية الآن ، ويذكر أن كافة الاسماء اللامعة في عالم التطرف والارهاب قد بدأت نشاطها من خلال الانضواء تحت راية هذه الجماعات السلفية في البداية ثم انشقت عليها لتنظم وتؤسس التنظيمات الإرهابية الأخري ، فمثلا عبود الزمر وناجح إبراهيم وكرم زهيري كانوا أعضاء في الجمعية الشرعية , وأيمن الظواهري وكرم زهدي كانا أعضاء بجماعة أنصار السنة المحمدية , وفؤاد قاسم وطلعت هاشم وصفوت عبد الغني كانوا أعضاء في جماعة التبليغ والدعوة ، وحتي شكري مصطفي وعمر عبد الرحمن كانت بدايتهما مع الإخوان المسلمين .
المحور الجهادي أسسه عبد السلام فرحات 1979 م , استطاع ضم مئات العناصر إليه ، ونجح في التنظيم الفقهي له من خلال مؤلفه . ..ثم أنشئت الجماعة الإسلامية تأخذ شكلها النهائي في المنيا وأسيوط وتتضح معالمها الفكرية والحركية علي يد طبيب شاب ناجح , ومعه عدد من طلبة كلية الهندسة هم طلعت فؤاد قاسم وأسامة إبراهيم حافظ وعاصم عبد المجيد , استطاعت بجهد مشترك أن يثبتوا وجودهم داخل محيط الجامعة , ثم حدث تعاون مشترك بين جماعة الجهاد والجماعة الإسلامية قبل اغتيال السادات ، وكان قائد هذا التنظيم عمر عبد الرحمن ، وبعد اغتيال السادات وما قابله من مواجهات تفتت هذا التحالف وهرب الكثير خارج البلاد ثم بدؤا في استخدام مبدأ التقية وهو إظهار خلاف ما يبطنون وهذ المبدأ مبدأ شيعي .
اصطدموا بكل التيارات المخالفة لمنهجهم الفكري الحركي أو حتي تلك التي تمارس أنشطة إرهابية في إطار منهج مختلف كجماعات التكفير والتوقف والتبيين والشوقيون وغيرهم فاتهموهم بفساد العقل والعقيدة والانسحاب من المواجهة ..
إن تكوين الجماعات والأنظمة الخاصة والعمل السري والخلايا وتربية الكوادر الانتحارية وحمل الخنازير والأسلحة وتفجير القنابل والتخطيط للاغتيالات هو ما يجب أن يسمي بالإرهاب ولا شيء غيره …..

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى