رأي

بغض النظر عن الإستثناءات 

ويرتهن نجاح الانتقال السياسي الصعب في السودان باستقرار واستدامة نموذج تقاسم السلطة الشامل

مدني مدني نيوز ✒️

د . صالح احمد البشير صالح

إن تجربة تقاسم السلطة الشامل في السودان وما شهدته من مراحل متباينة. إذ تشير التجربة السودانية إلى أن الشراکة الموسعة التي جمعت المؤسسات العسکرية والأحزاب والقوى المدنية والفصائل المسلحة في السودان إنما جاءت لأسباب ظرفية بالأساس دون وجود قاعدة راسخة من التوافق بشأن المبادئ الحاکمة ولا الإجراءات الانتقالية الأمر الذي عرض هذه الشراکة لاضطرابات متوالية منذ نشأتها الأولى. کما تقدم التجربة الانتقالية السودانية منذ عام 2019 حالة تختلط بها مؤشرات التقييم الإيجابية والسلبية. فعلى الجانب الإيجابي لا يزال الطابع الغالب على هذه المرحلة هو الطابع السلمي والذي سمح للمرحلة الانتقالية بالاستمرار على الرغم من الأزمة الحادة التي شهدتها البلاد بعد الإطاحة بحکومة عبد الله حمدوک. لکن على جانب آخر ظهرت الخلافات العميقة بين الشرکاء الرئيسيين للحکم الانتقالي وداخل کل مکون منهم لتضع جذور لعرقلة إتمام الانتقال أو أخذه في مسار الانتکاس حتى بعد إجراء انتخابات وإتمام نقل السلطة لهيئات دائمة جديدة.
وقد أملت الضرورة على مختلف الأطراف السودانية تبني نموذج تقاسم السلطة الشامل لأسباب متعددة أبرزها التباين الشديد في طبيعة المکونات العسکرية والمدنية والانفصالية المسلحة والتي لم يکن من الممکن استبعاد أي منها في ظل حيازة کل منهم “قدراً” من الشرعية. فبينما تمثل القوات المسلحة وقوات الدعم السريع رمز سيادة الدولة واستمرار مؤسساتها في ممارسة السيادة الفعالة، تمثل قوى الحرية والتغيير الشرعية الجديدة المستمدة من الحراک الاحتجاجي. وفي الوقت الذي يترکز فيه دور کل من المؤسستين العسکريتين وقوى الحرية والتغيير في السودان النيلي والمراکز الحضرية الرئيسية، تتمتع الفصائل المسلحة بشرعية تمثيل مصالح الهامش الجغرافي ذي الثقل السکاني الکبير غرباً وجنوباً وشرقاً.
ويرتهن نجاح الانتقال السياسي الصعب في السودان باستقرار واستدامة نموذج تقاسم السلطة الشامل إلى حد بعيد، وقدرة الشرکاء على تجاوز ما قد ينشأ بصورة طبيعية من أزمات في العلاقة بينهم وفق المرجعيات الرئيسية الممثلة في الوثيقة الدستورية واتفاق سلام جوبا. فعجز هذا النموذج عن استيعاب کافة الأطراف المؤثرة في المشهد السوداني يمکن أن يسفر عن انتکاس المسار الانتقالي کلياً، وانفتاح السودان على التفاعلات الصراعية والعنيفة من جديد في تکرار لما شهدته البلاد حتى سقوط البشير في ابريل من عام 2019. لکن يظل من المهم إبداء کل الحرص على ألا يؤدي نجاح نموذج الانتقال السياسي إلى المزيد من تفکک الدولة السودانية، خاصة في ظل ما آلت إليه تجربة اتفاق السلام الشامل الموقع عام 2005 والذي أدى في النهاية إلى انفصال الجنوب في عام 2011. ويضع هذا الهاجس الکثير من الأعباء على کاهل مؤسسات الحکم الانتقالي في الاحتواء العاجل لکافة المشکلات الجذرية في مناطق دارفور والنيل الأزرق وجنوب کردفان على وجه الخصوص.
ومن شأن تمکن تقاسم السلطة الشامل في إنجاح الانتقال السياسي في السودان أن يقدم نموذجاً إقليمياً قابلاً للتکرار في حالات مشابهة متعددة، أبرزها الحالتان الإثيوبية والصومالية والتي تتشابه مع السودان إلى حد بعيد في التعقيد والتشابک على المستويين المؤسسي والإثني، وهو ما تتزايد الحاجة له في ظل أزمة الاندماج العميقة التي فجرها الصراع في إقليم تيجراي في إثيوبيا، وفي ظل التعثر المزمن للعملية السياسية في الصومال. على هذا النحو ترتفع أهمية نجاح التجربة السودانية والتي لن تقتصر عوائدها الإيجابية على الاستقرار السياسي والتنمية الاقتصادية في السودان، وإنما ستعزز بقوة من المکانة الإقليمية للسودان لتقدم نموذجاً رائداً لإدارة المراحل الانتقالية وفق إجراءات تتسم بقدر کبير من التعقيد والعمق بما يتناسب مع طبيعة التحديات على أرض الواقع ومن شمال الصحوة بالابيض بدون ادوات استثناء سلام .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى